الحلبي
204
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ولما رأى صلى اللّه عليه وسلم جبل أحد قال : « هذا أحد جبل يحبنا ونحبه » وتقدم ما في ذلك في غزوة أحد ، وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها : « ولما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة تلقاه النساء والصبيان يقلن : طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا للّه داع » قال البيهقي رحمه اللّه : وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه صلى اللّه عليه وسلم المدينة من مكة لا أنه عند مقدمه المدينة من تبوك ، هذا كلامه ، ولا مانع من تعدد ذلك . ولما دنا صلى اللّه عليه وسلم من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : لا تكلموا رجلا منهم ، ولا تجالسوهم حتى آذن لكم ، فأعرض عنهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون ، حتى أن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه انتهى . أي وعن فضالة بن عبيد : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما غزا غزوة تبوك جهد الظهر جهدا شديدا حتى صاروا يسوقونه ، فشكوا إليه صلى اللّه عليه وسلم ذلك ورآهم يسوقونه ، فوقف صلى اللّه عليه وسلم في مضيق والناس يمرون فيه فنفخ في الظهر ، وقال : اللهم احمل عليها في سبيلك فإنك تحمل على القوي والضعيف والرطب واليابس في البر والبحر ، فزال ما بها من الإعياء ، وما دخلنا إلا وهي تنازعنا أزمّتها . وجاء : « أن حية عارضتهم في الطريق عظيمة الخلقة ، فانحاز الناس عنها ، فأقبلت حتى وقفت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون إليها ، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : تدرون من هذا ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن أي بنخلة عند منصرفه صلى اللّه عليه وسلم من الطائف ، وتقدم الكلام عليه فرأى عليه من الحق حين ألمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببلده أن يسلم عليه ، وها هو يقرئكم السلام » فقال الناس : وعليه السلام ورحمة اللّه . وقد كان تخلف عنه صلى اللّه عليه وسلم ، رهط من المنافقين وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، وتخلف عنه أيضا كعب بن مالك وكان من الخزرج ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكانا من الأوس ، فأما المنافقون فجعلوا يحلفون ويعتذرون فقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم علانيتهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه ، واستغفر لهم ، وأما الثلاثة ، فعن كعب بن مالك الخزرجي رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : « لما جئته صلى اللّه عليه وسلم وسلمت عليه تبسم تبسم المغضب وقال لي تعال ، فجئت حتى جلست بين يديه ، فقال : ما خلفك ؟ فصدقته ، وقلت : واللّه ما كان لي من عذر ، واللّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك » وفي رواية : « قلت : يا رسول اللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت